يا من مضيتَ وما مضى أثَرُكَ، وبَقِيتَ تسكُنُ مهجتي القَدَرُ
أحدَ عشرَتْ أعوامُ بُعدِكَ لم تَزَلْ نارُ الحنينِ تَضيءُها الذِّكَرُ

ما زالَ عطركَ في الرُّبى سَكَنًا، وفي شُفاهي باسمُكَ العَبِرُ
أذكرْتَ حينَ رحلتَ مبتسمًا؟ ما كنتَ تدري أنَّني انكَسَرُوا

كنتَ البداياتِ الجميلةَ في الصِّبا، وأنا الخُطى، إن غِبتَ، المُنتَظَرُ
يا سيِّدَ القلبِ الذي ما خانَهُ، لو عادَ عمرٌ ما انطَفَى الوَتَرُ

يا شهيدَ الضوءِ، يا وجعي الأبيّ، يا مَن بِصَمتِكَ خُلِّدَ الظَّفَرُ
قد غِبتَ عن وجهي، ولكنَّ الهوى في كلِّ نبضٍ فيَّ يَستَتِرُ

كم ليلةٍ ناجيتُ طيفَكَ خاشِعًا، أُهديكَ دمعي، والبُكا سِفَرُ
يا من رحلتَ، وما رحلتَ، فإنَّني ألقاكَ كلَّ مساءٍ والفَجَرُ

قد خَفتَ عن عيني، ولكنَّ المدى يُزهى بذكراكَ التي تَزَهَرُ
تبقى وإن غابَ الجَسَد، علمًا ما انحنى، ما ذلَّ، ما انكَسَرُوا

يَفنى الجَسَدْ ويَـبـقـى الخَطُّ مُزدهِـرا
يَسري الزمانُ ويُحيي الصِّدقَ والتُّراثا

والكاتـبونَ تُواريهـم مَقابِرهُـمْ
لكنْ بقايا الحُروفِ تُنطِقُ الأقلامـا

إنَّ الحروفَ حياةٌ لا زوالَ لها
تُبقي الفؤادَ إذا ما ماتَ أجساما

فالخطُّ يَزرعُ في الأرواحِ حكمتَهُ
ويَقطفُ الدهرُ مِن آثارهِ خُلدانا

كم مِنْ أديبٍ مضى، ما زال يُذكَرُ في
صَفحاتِ عِلمٍ، ويُحيي العقلَ إلهاما

إنْ كنتَ تُخشى فناءَ العُمرِ فاجعَلْهُ
سِفرًا جميلا يَفوقُ المالَ والغُنما

يا من سكنتَ الروحَ قبلَ ملامحي
وحملتَ سري في المساءِ وفي السحرْ

ما كنتَ من طينِ الدماءِ قرابةً
لكن شددتَ جراحَ قلبي حين غرْ

ألفُ الوجوهِ مضتْ، وبقيتَ وحدكَ
كالنجمِ يرشدُ من تَبَدّد وافتقرْ

لم تجمعِ الأرحامُ ما قد جمّعتْ
أيامُنا، والجرحُ، والخبزُ المررْ

أنتَ الذي إن غابَ ظلٌّ عن يدي
أهدى لروحي منك ظلًّا يُستعرْ

ما كنتَ من دمي، ولكنِّي أراكَ
من روحيَ الكبرى وأغلى من البشرْ

إن ضاقَ بي دربٌ مددتَ يدَ الرجاءِ
وجعلتَ قلبي في المفاوزِ يستقرْ

تبقى وإن خانتْ خطانا أرضُنا
وطغى على أفقِ المسافةِ كلُّ غبرْ

قد انتصرت الثورة

قد انتصرت الثورة بعد طول الجهاد 
وعاد الحق ساطعًا من بين الأبعاد 
مرّت السنوات، والحلم لم يغب 
وعن عيوننا غاب الظلام والسهاد

سقط الطاغية، وزال الجور، وانكسر السلاسل 
أرضنا حرة، والقلوب صارت أبطال 
وفي كل دربٍ نحن الثوار 
نجدد العهد بأن النصر في الحال

بصبرنا، ومن دمعنا الزكي 
نحن في وجه العواصف كالصخر الراسي 
وإذا ما دُهست أقدامنا، قمنا 
لأننا نعلم أن الله لنا الباقي

اليوم نحتفل، اليوم نغني 
نعم، قد انتصرت الثورة، والفرحة تغني 
في ساحة الأحرار نشيدنا يصدح 
والمستقبل لنا، غدًا نعلو ونعلي

تاهت خطانا في دروب المنافي، 
وعيوننا للذكرى دون توافي، 
قلوبنا لم تزل رغم البعاد، 
تنادي بحبٍ لا يعرف انطفافي. 

رحلنا من تحت نار القذائف، 
وضاع الحنين بين المنازل الخاوية، 
كبرنا وفي الصدر شوقٌ عظيم، 
وقصة عشقٍ ما زالت حية. 

مرت سنينٌ كحلمٍ بعيد، 
لا صوت ولا خبر ولا بريد، 
لكن وعدك ظل في خاطري، 
يضيء ليلي كشمسٍ عنيد. 

وعدتني وما خاب فيك الأمل، 
وفيت عهدك رغم طول الملل، 
بعد دهرٍ من الصبر والانتظار، 
جئت تطلبني دون كلل. 

أعدت لي أملًا ضاع في الظلام، 
ورسمت لي حبًا بعد الأوهام، 
بعد طول غربةٍ وانكسار، 
عدنا لنبني الحلم والسلام. 

فيا حبًا تحدى الزمن والريح، 
يا عهدًا لا يعرف التصريح، 
اجتمعت أرواحنا بعد الضياع، 
وتحقق وعدك دون تجريح.

وفى

أسبوعٌ مضى، والهوى في سباتِ 
يحاول أن يأتي، يطرق أبوابي 

يريد الكلام، وأنا في صمتٍ 
جراحي عميقة، أشدُّ حجابي 

أحببتُه يومًا، وكان أماني 
ولكن خذلني، وجرح شبابي 

كرامتي تاجٌ، على الرأس دومًا 
ولا شيء فوق الكرامة يُعابي 

دع القلب ينسى، ويشفى بُطءًا 
فلا عودة بعد كسر الزمانِ 

أنا من أنا، شامخةٌ بعزٍّ 
ولا شيء يُطفئ ضوء كياني 

فابقَ بعيدًا، ولتذكر أني 
قلبٌ أبيٌّ، لا يخضع لعتابِ.

أحببتُ فاشلاً في دربِ العشقِ تائهُ
لا يعرفُ الحبَّ، ولا كان لهُ رفيقُ
جهولٌ بمعنى الاحترامِ لأُنثى
تُهديهِ قلباً، فيُقابِلها بعُقوقِ
ظنَّ الاعتذارَ يهدمُ منهُ رجولةً
فَحُجَّتهُ في الكبرياءِ عتيقُ
لم يعترف بخطئِهِ يومَ حُزنٍ
بل زادَ أوجاعَ الفؤادِ وبريقُ
أحببتُهُ قلباً، وظنَّني ضعفاً
فخانَ المودةَ، وكان لهُ الطريقُ
واليومَ أقفُ، وقد أزَهرَ قلبي
تعلمتُ من جُرحِهِ كيفَ أفيقُ
فلا فاشلٌ بعد اليومَ يسكنُني
ولا جرحَ يُحيطُ بي كطوقِ

لم تكن نصيبي

لم أبحث عن حبك عمدًا،
لكن قلبي سار في دربك فجأة.
فكيف أزن خطوات عمري،
وأنت أثقلت روحي رغبة؟

لستَ معي في عالمي الآن،
لكن طيفك يسكُنُ نبضي.
وإن حرمتني الأيام قربك،
ستبقى ذكرى تسكن دربي.

قد كنتَ أملي في الحياة،
لكن الأقدار لم تُمهّد لي طريقي.
عشقتك أكثر مما حلمت،
ولكنك بالنهاية… لم تكن نصيبي.

وفاء صقر

فلا وفاء بعد وفاء

رحلتْ وفاء، فلا وفاء بعد وفاء. 
رحلتْ كريحٍ عابرة، اقتلعت جذور الأمان من حياتك، 
وتركت في قلبك ندبة لا يرممها الزمن، 
غصة تسكن صدرك كضوءٍ خافتٍ يأبى أن ينطفئ، 
وقرحة في الروح تتسع مع كل ذكرى عابرة. 

كانت هي القرار الذي لم تتوقع أن يأتيك، 
الوطن الذي ضل طريقه في قلبك. 
اختارت الرحيل، لكنها لم ترحل تمامًا. 
طيفها يُلاحقك، يسرق منك نومك، 
يقتحم أحلامك بلا استئذان، 
يعاتبك بصوتٍ مثقل بالخذلان، 
تتركك غارقًا في دوامةٍ من الأسئلة، 
لماذا تركتها؟ لماذا لم تحارب من أجلها؟ 

أصبحت كل ليلة معركتك مع الذكرى، 
نزفٌ مستمر لا تراه العين، 
وقرحة تلتهم فؤادك بصمت، 
وحِمى في الروح تجعلها كالجمر المستعر. 

إن وفاء لم تتركك سوى بسيف الندم، 
ندمٌ يقطع أوصال أيامك، 
يحكم على قلبك بالبكاء في صمتٍ مديد، 
ويبقيك سجينًا بين يديّ ماضٍ لا يغفر. 

هذا ما تركته وفاء، يا فتى. 
ألمٌ أزلي، وطيفٌ لا يغيب، 
وفاء كانت، وستبقى، الفقد الذي لن تُشفى منه يومًا. 

في السادسةِ كلَّ يومٍ، أفتحُ نافذةَ الحنينِ على غيابِكَ يتسلَّلُ طيفُكَ مع خيوطِ الصباحِ ويسكنُ في زوايا القلبِ المُتعَب كلُّ عقربٍ يمرُّ كأنَّهُ يهمسُ باسمِكَ تُعيدُني الساعةُ إلى ذلكَ الماضي حينَ كانَ الصمتُ بيننا لغةً وكانَ اللقاءُ وعدًا لا يخلف أما الآن، فالساعةُ شاهدةٌ على الغيابِ وأنا وحدي، أُعاتبُ الوقتَ لِماذا تُذكِّرني بكَ حينَ تقتربُ السادسة؟ وكأنَّ الحياةَ تصرُّ أن تُعيدَني إليكَ يا مَن رحلَ وتركَ فيَّ فراغًا لا يُملأ أتذكَّرُك في كلِّ صباحٍ باكٍ وفي السادسةِ تحديدًا، تُشرقُ ذكراكَ، لكنها لا تُدفئُني. فكيفَ تُضيءُ ساعةٌ غادرها صوتك ؟ وكيفَ يُنسى من صارَ في القلبِ وطنًا؟